ما بيني… وما يتشكّل دون إذني
هناك غربة تنشأ في الداخل،
هادئة… بلا صوت،
لكنها تترك أثرًا خفيفًا يشبه انشقاقًا رقيقًا في الروح.
غربة تبدأ حين أشعر أني واقفة بين نسختين مني:
نسخة تنسحب بصمت،
ونسخة تتكوّن دون إذني…
وأنا في المنتصف، أرى التحوّل يحدث ولا أملك إيقافه،
ولا أعرف كيف أتعجّله!!
وكلما حاولت الإمساك بهذا الشعور،
أتذكر مقولة :
“ما زلت هناك… أمضي وحيدةً في طرائق غربتي،
فدربي طويل، والدروبُ عواثر.”
هذه ليست غربة فقد،
ولا غربة وحدة.
إنها الغربة التي يحدث فيها العمل الحقيقي،
العمل الذي لا يسمعه أحد،
والذي يُعاد فيه تشكيل الإنسان من أطرافه حتى أعماقه.
غربيتي ليست مكانًا…
بل حالة.
دفءٌ في عين من يراني من بعيد،
وسرابٌ حين أحاول أنا أن ألمسه.
غربة أعرف أنها تُعيد صياغة قلبي
كما تُعاد صياغة الأشياء الثمينة:
ببطء،
وبرحمه
الألم الذي لا بدّ منه لكي نصير أنفسنا بحق.
الليلة، جاء السؤال الذي لم أسمعه من قبل:
“هل أنتِ بخير؟”
لم يكن سؤالًا،
كان مرآة.
شيئًا جعلني أتوقف…
أنظر إلى داخلي كما لو أنه مكان لم أدخله منذ زمن.
تساءلت:
هل الخير الذي أقوله عادةً هو حقيقة؟
أم عادة؟
أم محاولة تهذيب للواقع؟
بعد صمتٍ طويل، خرج جوابي بلا تفكير:
“ظاهري بخير… وداخلي متّكئ على رحمةٍ لا تخذل.”
حين قلتها، شعرت أنني للمرة الأولى أفهم غربتي كما هي
فهمت أن الغربة ليست انقطاعًا،
بل اصطفاء.
وأن الله أحيانًا يعزلنا عن الضجيج
حتى نسمع قلوبنا لأول مرة.
وأتذكّر كلمات أ. عصام العطّار،
كأنها تُمسك بيدي في اللحظة التي حاولت فيها فهم نفسي:
وما الحياةُ سوى حلمٌ ألمَّ بنا،
هل عشتُ حقًا أم كان ما عشتُه أضغاث أحلام؟
ولولا يقيني بربي لا شريك له
لما حسبتُ حياتي غيرَ أوهام.
توقّفتُ عندها طويلًا…
لأنها لم تكشف لي الحياة،
بل كشفت لي موقعي منّها
وأن كل ما حسبته انطفاءً كان بداية،
وكل ما خِلته فقدًا
كان طريقًا هادئًا يُعاد فيه تشكيل روحي.
وعرفت يومها أن الغربة ليست لونًا واحدًا؛
فهي عند البعض دفءٌ يلوذون به،
وعند آخرين بردٌ يختبر صبرهم.
أما أنا… فكنت في الحيّز الذي يجمع الاثنين،
أحمل دفئها حين يلين القلب،
وأحمل بردها حين يريد الله أن يوقظ شيئًا غائرًا في داخلي.
⸻
وفي هذا المكان الذي لا يراه سواي،
ما بيني،
وما يتشكّل دون إذني،
أفهم أكثر فأكثر
أن الله لا يسوقني بعيدًا…
الله يسوقني إلى عمقي..
Notes by J


فخورة بمقالك هذا ،لو كنت أعلم أن سؤالا سينتشلك من تخبطك بين نسختيك لكنت طرحته لك منذ زمن ولكن شاء الله أن يكون في ذلك التوقيت
حقا لولا أننا نؤمن بوجود الله وأنه يقدر لنا الخير في كل حين وأنه يمكننا اللجوء له في كل حين لما عرفت أين ستؤول الأمور بنا
شكرا آنسة جيم مقالك هذا لامسني لأني أمر بنفس الشيئ تقريبا