بين الواقع والفعل: مسافة تُشكّلنا
أحيانًا، أكثر ما يُرهقك ليس ما يحدث لك…
بل ما يُفترض أن تكونه طوال الوقت
التقاليد العمياء لا تأتيك بصوتٍ مرتفع، ولا تُعلن نفسها كقانون.
هي تعمل بطريقة أهدأ من ذلك بكثير؛
تُشكّلك دون أن تشرح لك،
وتُشعرك أن هناك نسخة واحدة فقط “مقبولة” منك.
نسخة جاهزة، مألوفة، ومُريحة للمحيط…
لكنها ليست أنت
،
لكن يمكن الإحساس به بوضوح:
أنك لست حرًا بالكامل، حتى وأنت تظن أنك كذلك.
تصير كأنك لون رمادي في عالم لا يعترف إلا بالأبيض أو الأسود.
لا أنت الذي تمرد بما يكفي ليعلن نفسه،
ولا أنت الذي انسجم بما يكفي ليذوب.
فقط في المنتصف…
في مساحة تُدار فيها قراراتك بهدوء،
لكن أثرها يمتد أعمق مما يبدو على السطح
والمفارقة أن الخروج من هذا الإطار ليس بسيطًا كما يبدو.
حتى لو غادرت المكان،
حتى لو ابتعدت عن الأشخاص،
يبقى داخلك شيء لا يتحرك معك إلى الحرية.
الجهاز العصبي نفسه يظل في حالة ترقّب،
كأنه ما زال ينتظر تقييمًا أو حكمًا أو تصحيحًا.
وكأن فكرة الحرية، بعد طول انقطاع،
تصبح شيئًا غير مألوف… أقرب للارتباك منها للراحة
:تعيش إذًا بين نارين
أن تكون نفسك،
أو أن تكون كما يجب أن تكون.
ولا شيء في هذا الانقسام مجاني.
أن تكون نفسك يعني أن تُساء قراءتك،
أن تُختزل، أن تُوضع في قالب لا يشبهك،
وأن تُدان أحيانًا فقط لأنك اخترت الصدق.
أما أن تكون كما يريدون…
فيعني القبول، نعم،
لكن ليس لك،
بل لنسخة تمّت إعادة تشكيلها لتناسبهم أكثر مما تناسبك.
وهنا يتشكل تعريف مختلف للنجاح.
ليس بما تحققه، ولا بما تبنيه،
بل بمدى قابليتك لأن تُعاد صياغتك دون مقاومة
بل لنسخة تمّت إعادة تشكيلها لتناسبهم أكثر مما تناسبك.
قد تنجح بوضوح، وبنتائج لا تُنكر،
لكن داخل دائرتك، لا يُرى هذا النجاح.
لأنك ببساطة لم تلعب الدور الذي كان متوقعًا منك.
لم تسمح لهم أن يعيشوا أحلامهم من خلالك،
ولم تمنحهم الامتداد الذي ينتظرونه فيك.
أحلام قد لا تشبهك أصلًا،
لكنها تُقدَّم لك وكأنها حقيقتك،
وكأنهم يعرفونك أكثر مما تعرف نفسك.
واللافت في كل ذلك،
أن الغريب الذي لا يملك عنك صورة مسبقة
قد يكون أصدق في رؤيتك من القريب.
لأنه لا ينتظر منك أن تُكمل شيئًا ناقصًا فيه،
ولا يتعامل معك كمشروع شخصي.
يراك كما أنت، لا كما يجب أن تكون،
وقد يدفعك ببساطة لأن تختار نفسك… لا الجميع
ويبقى السؤال الأساسي:
إذا كان الواقع يتغير بالأفعال،
فكيف نغيّره، بينما أفعالنا نفسها محكومة به؟
هنا لا أرى أن الحل صدام.
ولا أراه كسرًا لكل شيء دفعة واحدة.
بل أقرب إلى وعي هادئ…
أن تدرك أن ما تعيشه لا يمثّلك بالكامل،
وأن كثيرًا من أفعالك ليست امتدادًا حقيقيًا لذاتك،
بل امتداد لما فُرض عليك، أو ما اعتدت عليه، أو ما يُنتظر منك.
لهذا يمكن النظر للحياة كأنها تُعاش على مستويين:
مستوى نتحرك فيه لنستمر، لنتكيف، لنعبر اليوم،
ومستوى آخر أهدأ… أقرب للنفس
مستوى يُرى،
ومستوى لا يراه أحد سواك.
ليس هذا تناقضًا،
ولا هروبًا،
بل شكل من أشكال الحفاظ على الذات في بيئة لا تمنحك دائمًا رفاهية الصدق الكامل.
ومع الوقت،
هذا الجزء الصامت لا يختفي،
بل ينمو بهدوء.
يتضح أكثر،
ويصبح أكثر حضورًا من الضجيج الخارجي كله.
إلى أن تأتي لحظة…
تبدأ فيها المسافة بين الواقع والفعل بالانكماش بين ما تعيشه، وما تمثّله.
لا لأن العالم تغيّر فجأة،
بل لأنك أنت بدأت تراه بشكل أوضح.
وهنا فقط
لا يعود السؤال: كيف أختار بين نفسي والناس؟
بل يصبح: كيف أعيش دون أن أفقد نفسي وأنا بينهم؟

